محمد بن جرير الطبري
132
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
وليتأهب للنهوض ، فإذا كبرت الثالثة ، فانى حامل إن شاء الله فاحملوا معا اللهم أعز دينك ، وانصر عبادك ، واجعل النعمان أول شهيد اليوم على اعزاز دينك ونصر عبادك ! فلما فرغ النعمان من التقدم إلى أهل المواقف ، وقضى إليهم امره ، رجع إلى موقفه ، فكبر الأولى والثانية والثالثة ، والناس سامعون مطيعون مستعدون للمناهضه ، ينحى بعضهم بعضا عن سننهم ، وحمل النعمان وحمل الناس ، ورايه النعمان تنقض نحوهم انقضاض العقاب ، والنعمان معلم ببياض القباء والقلنسوة ، فاقتتلوا بالسيوف قتالا شديدا لم يسمع السامعون بوقعه يوم قط كانت أشد قتالا منها ، فقتلوا فيها من أهل فارس فيما بين الزوال والاعتام ما طبق ارض المعركة دما يزلق الناس والدواب فيه ، وأصيب فرسان من فرسان المسلمين في الزلق في الدماء ، فزلق فرس النعمان في الدماء فصرعه ، وأصيب النعمان حين زلق به فرسه ، وصرع وتناول الراية نعيم بن مقرن قبل ان تقع ، وسجى النعمان بثوب ، واتى حذيفة بالراية فدفعها اليه ، وكان اللواء مع حذيفة ، فجعل حذيفة نعيم بن مقرن مكانه ، واتى المكان الذي كان فيه النعمان فأقام اللواء ، وقال له المغيرة : اكتموا مصاب أميركم حتى ننظر ما يصنع الله فينا وفيهم ، لكيلا يهن الناس ، واقتتلوا حتى إذا أظلهم الليل انكشف المشركون وذهبوا ، والمسلمون ملظون بهم متلبسون ، فعمى عليهم قصدهم ، فتركوه وأخذوا نحو اللهب الذي كانوا نزلوا دونه باسبيذهان ، فوقعوا فيه ، وجعلوا لا يهوى منهم أحد الا قال : وايه خرد ، فسمى بذلك وايه خرد إلى اليوم ، فمات فيه منهم مائه الف أو يزيدون ، سوى من قتل في المعركة منهم اعدادهم لم يفلت الا الشريد ، ونجا الفيرزان بين الصرعى في المعركة ، فهرب نحو همدان في ذلك الشريد ، فاتبعه نعيم بن مقرن ، وقدم القعقاع قدامه فأدركه حين انتهى إلى ثنية همدان ، والثنية مشحونه من بغال وحمير موقره عسلا ، فحبسه الدواب